تكلم كي أراك !



فجأة، خرجت سيارة "ميرسيديس" جهة اليمين في إحدى المدارات الطرقية بمدينتنا، مخالفة ما هو معمول به في قانون السير والجولان، وحين خاطبه سائق سيارة الأجرة الصغيرة التي أنا بداخلها -وهو الأحق بالأسبقيةطبعا-، أوقف صاحبنا سيارته عمدا، ولسان حاله: "اللّي عجبكوم ديروه !".
ولأنه عرف ما ينتظره من أصحاب "الطاكسيات" الذين يتوفرون في العادة على نقابات وتكتلات تعينهم في معاركهم، اكتفى بذلك التوقف متجاهلا منبه السيارات من كل جانب..
لحظتئد، استأسد (حكر) على سائق سيارة خاصة آخر أشار عليه بالتنحّي وإفساح الطريق للمارّة.
إلى حدود اللحظة، الأمر بالنّسبة لي عاد في مجتمع غدا (لا متسامحا) و(حكارا)، ويعشق التلذذ بقهر من هو أدنى منه باستعمال أي وسيلة مهما خبثت، تأسيا بمقولة "تبعمرانت" البليغة:
"ياناح يوكرن أراح إكات..يان نوكر أرت نكات!".
المُفاجأة، كانت في أول حوار مع الرّجل، إذ حاولت (تبريد الطرح)، وإفهامه أن ما أقدم عليه خطأ، ويعبّر عن مستوى لا يليق، حيثُ قال بصوت مرتفع جهوري يسمعه من حوله: "أنا مُحامي !!".
هُنا تذكّرت واحدا من المحامين الحقيقيين الكبار الذين درّسوني في الفترة الجامعية، حين كان يُملي علينا أخلاقيات هذه المهنة النبيلة التي تنصُر المظلوم وتُسهِم في ردّ الحقوق، وكيف دنّسها بعضُ الدّخلاء بممارساتهم الرعناء كحال بقية المهن والحرف التي لا تخلو من هكذا ممارسات.
هنا تذكّرتُ سماسرة المعاناة، وبؤس الانتهازية، وسيكولوجية القهر التي تسري في عروق بني آدم في مُجتمعات لم تتلمّس بعدُ طريق الأنوار...، حيث يُحاول من يتوفر على سلطة ما ولو كانت صغيرة، تصريفها على شكل ظلم وقهر على من هو أدنى منه..
أشرت عليه بأنه الأجدر بفهم تفاصيل التشريع، وكيفية الفصل في المنازعات، وأنه حتى لو كان محاميا يبقى شخصا ينتمي لمنظومة مجتمعية أفرادها لهم ما لهم وما عليهم، في جو تسوده المساواة في الحقوق والواجبات..
بطبيعة الحال، لم يعر لكلامي أي انتباه، ممّا جعله يدخل في دوامة من الجدال كاد يتحول إلى اشتباك بالأيدي لولا تدخل المارة.
ولأني جزء لا يتجزأ من هذه التراجيديا العبثية، أشرت على صاحب الطّاكسي بالمناداة على من يُحرّر مخالفة مرورية في حقّ هذا الرّجل، ويُضيف لها تُهمة استغلال النّفوذ..، ونكون وقتذاك من الشاهدين.
ولأن سائق الطّاكسي خبر ميدان الطّرقات، أشار عليّ بوضوح:
(بلاّتي كا كيين أن زوار كيت دزح 205 آد باش آنصحُو أنوفل !).
وما أن همّ صاحبنا بفعلته، حتّى فهم (المحامي) أنّ الدّائرة عليه، وأن اللعبة ليست في صالحه هذه المرّة على الأقلّ، ولعلّه تذكّر بسرعة البديهة قول الشاعر:
"ألا لا يجهلنّ أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا" 
فانطلق مليّا يذرعُ الطّرقات في فورة غضب !!
............
بس: تحية احترام وتقدير لكل محام، ولكل طبيب، ولكل قاض، ولكل أستاذ، ولكل محافظ، ولكل قائد....، ولكل من قام على مسؤولياته بحق دون أذية وتجبر وتكبر وقهر !

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "تكلم كي أراك !"


الابتسامات الابتسامات