تكلم كي أراك !



فجأة، خرجت سيارة "ميرسيديس" جهة اليمين في إحدى المدارات الطرقية بمدينتنا، مخالفة ما هو معمول به في قانون السير والجولان، وحين خاطبه سائق سيارة الأجرة الصغيرة التي أنا بداخلها -وهو الأحق بالأسبقيةطبعا-، أوقف صاحبنا سيارته عمدا، ولسان حاله: "اللّي عجبكوم ديروه !".
ولأنه عرف ما ينتظره من أصحاب "الطاكسيات" الذين يتوفرون في العادة على نقابات وتكتلات تعينهم في معاركهم، اكتفى بذلك التوقف متجاهلا منبه السيارات من كل جانب..
لحظتئد، استأسد (حكر) على سائق سيارة خاصة آخر أشار عليه بالتنحّي وإفساح الطريق للمارّة.
إلى حدود اللحظة، الأمر بالنّسبة لي عاد في مجتمع غدا (لا متسامحا) و(حكارا)، ويعشق التلذذ بقهر من هو أدنى منه باستعمال أي وسيلة مهما خبثت، تأسيا بمقولة "تبعمرانت" البليغة:
"ياناح يوكرن أراح إكات..يان نوكر أرت نكات!".
المُفاجأة، كانت في أول حوار مع الرّجل، إذ حاولت (تبريد الطرح)، وإفهامه أن ما أقدم عليه خطأ، ويعبّر عن مستوى لا يليق، حيثُ قال بصوت مرتفع جهوري يسمعه من حوله: "أنا مُحامي !!".
هُنا تذكّرت واحدا من المحامين الحقيقيين الكبار الذين درّسوني في الفترة الجامعية، حين كان يُملي علينا أخلاقيات هذه المهنة النبيلة التي تنصُر المظلوم وتُسهِم في ردّ الحقوق، وكيف دنّسها بعضُ الدّخلاء بممارساتهم الرعناء كحال بقية المهن والحرف التي لا تخلو من هكذا ممارسات.
هنا تذكّرتُ سماسرة المعاناة، وبؤس الانتهازية، وسيكولوجية القهر التي تسري في عروق بني آدم في مُجتمعات لم تتلمّس بعدُ طريق الأنوار...، حيث يُحاول من يتوفر على سلطة ما ولو كانت صغيرة، تصريفها على شكل ظلم وقهر على من هو أدنى منه..
أشرت عليه بأنه الأجدر بفهم تفاصيل التشريع، وكيفية الفصل في المنازعات، وأنه حتى لو كان محاميا يبقى شخصا ينتمي لمنظومة مجتمعية أفرادها لهم ما لهم وما عليهم، في جو تسوده المساواة في الحقوق والواجبات..
بطبيعة الحال، لم يعر لكلامي أي انتباه، ممّا جعله يدخل في دوامة من الجدال كاد يتحول إلى اشتباك بالأيدي لولا تدخل المارة.
ولأني جزء لا يتجزأ من هذه التراجيديا العبثية، أشرت على صاحب الطّاكسي بالمناداة على من يُحرّر مخالفة مرورية في حقّ هذا الرّجل، ويُضيف لها تُهمة استغلال النّفوذ..، ونكون وقتذاك من الشاهدين.
ولأن سائق الطّاكسي خبر ميدان الطّرقات، أشار عليّ بوضوح:
(بلاّتي كا كيين أن زوار كيت دزح 205 آد باش آنصحُو أنوفل !).
وما أن همّ صاحبنا بفعلته، حتّى فهم (المحامي) أنّ الدّائرة عليه، وأن اللعبة ليست في صالحه هذه المرّة على الأقلّ، ولعلّه تذكّر بسرعة البديهة قول الشاعر:
"ألا لا يجهلنّ أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا" 
فانطلق مليّا يذرعُ الطّرقات في فورة غضب !!
............
بس: تحية احترام وتقدير لكل محام، ولكل طبيب، ولكل قاض، ولكل أستاذ، ولكل محافظ، ولكل قائد....، ولكل من قام على مسؤولياته بحق دون أذية وتجبر وتكبر وقهر !

لائحة العطل المدرسية 2019/2020


تعتبر العطل المدرسية جزءا لا يتجزأ من المنظومة التربوية والمدرسية، إذ تحافظ على السير العادي للدراسة، وتساهم في تنظيم الزمن المدرسي والإيقاعات المدرسية.
وهي إلى جانب هذا، تُعدّ  فضاء زمانيا للمتمدرسين والتلاميذ والمتعلمين، لبناء قدرات أخرى جديدة، وتعلم مهارات أخرى خارج الأوقات الصفية.
والعطل المدرسية وفق المقرر الوزيري الجديد (2019/2020)، تتضمن 42 يوما، موزعة بين الأعياد الوطنية والدينية، والفترات البينية، وبعض العطل المدرسية الأخرى، كما يلي:


كيف أتعامل مع أنواع التلاميذ داخل القسم؟


قبل البداية للجواب على هذا السؤال، لزمنا أن نفهم حقيقة وطبيعة التلاميذ المحيطة بالمُدرّس حالما يُمارس مهامه التربوية والتدريسية.
وهنا نستحضر ثمانية نماذج، لشخصيات مختلفة، كلّ منها تتميز  بخصائص معينة، وتبعا لذلك، تستحق معاملة خاصّة:
أوّلا: التّلميذ العدواني
ومن مميّزاته:
-يُبدي عدم اهتمامه.
-يعكّر المزاج الخاصّ والعامّ داخل حجرة الدّرس.
-يستخدم في بعض الأحيان أسلوب الهجوم ورفع الصّوت.
-يتحدّى بعلانية وسعادة.
-يفرح إذا فشل المتحدّث بنُقطة ما، ويرفض أفكاره.
-يُعادي الحقيقة.
كيفية  التعامل معه:
-عليه أن يكون له مستمعا جيدا.
-يختصر معه الحديث.
-محاولة تجنب المواضيع التي تُثير حفيظته.
-الابتسامة والمرح، والابتعاد عن الانفعال.
-استخدام عبارات تدل على الموافقة في بعض المواقف لإحراجه.
-التركيز على على مواضيع الاتفاق معه.
-الابتعاد عن مجال تخصصه بضرب أمثلة واقعية.

ثانيا: الثرثار
ومن أهم صفاته،
-التحدث كثيرا وبلا فائدة دون توقف.
-التحدث عن كل شيء وفي كل شيء.
-التحدث خارج الموضوع في أحايين كثيرة.
-قليل العمل وغير منظّم.
-يخلط المواضيع مع بعضها.
كيفية التعامل معه:
-محاولة مساءلته بأسئلة مُغلقة (نعم أو لا).
-عدم الدخول معه في مواضيع جانبية.
-تركيز الموضوع وإرجاعه بذكاء لصلب الموضوع.
-تذكيره في بداية حديثه بضيق الوقت المخصص للحصة.
-الابتعاد عن التعليقات التي تزيد من حديثه.
ثالثا: الخجول
ومن صفاته،
-غير واثق من نفسه.
-التحفظ عند الكلام.
-خشية التحدث أمام التلاميذ.
-الاختباء في مجموعة.
-كثير القلق والتردد.
كيفية التعامل معه:
-محاولة زرع الثقة في نفسه من خلال مدحه وتشجيعه.
-حثه على التحدث حول أفكاره ولو كانت خاطئة.
-إقراره على أهمية أفكاره ولو كانت غير صحيحة.
-تبديد القلق والتردد لديه.
-طرح أسئلة يقدر على الإجابة عنها.

رابعا: المُتعالي
ومن صفاته،
-المبالغة في الأفكار.
-التقليل من شأن الآخرين.
-التعامل مع الآخرين بتكبر.
-محاولة تصيّد سلبيات الآخرين وإحراجهم.
-عديم الثقة بالناس.
-يُكثر من مُقاطعة الآخرين.
-يطلبُ مزايا لنفسه.
كيفية التعامل معه:
-استخدام طريقة (نعم ولكن..).
-عدم استخدام الأسئلة المفتوحة معه.
-التركيز في الحديث والتأكد من المعلومات.
-المحافظة على الهدوء والتركيز.
خامسا: المتملّق
ومن صفاته،
-التودد المبالغ فيه.
-السعي نحو التقرب منك.
-استخدام مجاملات غير صادقة لكسب ودّك.
-الحديث بما يود الأستاذ سماعه.
-التسلق على حساب مجهودات الآخرين.
كيفية التعامل معه،
-تعليمه الطريقة الصحيحة في المدح.
-العمل معه على أسس النقد البناء.
-إشعاره بأهمية جهوده وأهميته.
-الثناء على جهد أصحابه الذين عمل معهم في إطار مشروع تربوي ما.
سادسا: الساخر
ومن صفاته،
-استخدام السخرية لإغضابك وإغضاب الآخرين.
-التعبير عن النقد بالاستهزاء.
-النظر بسخرية إلى من حوله.
-الغضب عند نصحه.
كيفية التعامل معه:
-استخدام العبارات المؤدبة لطلب التوضيح.
-تغيير اتجاه الحديث للتوقف عن السخرية.
-التحدث معه على انفراد بهدوء وابتسامة.
-تكليفه بإيجاد حلول للأشياء التي ينتقدها.

سابعا: الكسول
ومن صفاته،
-إعمال الأعمال والواجبات.
-تجاهل الأعباء والواجبات.
-عدم تقدير مشاعر الأصدقاء والزملاء.
-كراهية الارتباط بالأعمال.
كيفية التعامل معه،
-تحسيسه بأهميته وفعاليته.
-استخدام المناقشات الودية معه.
-البحث هن حوافز تشجيعية له في المدرسة والمنزل.
-ممارسة التشجيع في حقه، حتى في أبسط الأعمال.
ثامنا: المشاغب
-ومن صفاته،
-عدم الالتزام بالأنظمة والقوانين.
-السخرية وإثارة الاعتراضات في المدرسة.
-رفع الصوت في وجه مناقشيه وناصحيه.
-كثير الحركات العبثية داخل الحجرة.
-تعمد التصرف دون سبب يُذكر.
كيفية التعامل معه،
-تجنب التعليق عن كل ما يبدُر منه.
-منحه التقدير اللازم.
-تشجيعه عند الالتزام بالقوانين الجاري بها العمل.
-تجنب مجادلته أمام الحضور.
-تكليفه بالمهامّ المناسبة لقُدراته.

في ذكرى رحيله الأبدي.. آخر قصائد محمود درويش



ما إن يحل التاسع من غشت في كل سنة، إلا وتجدد الحنين إلى صوت شعري قلّ نظيره، وقريحة ناظمة تحدت التهجير والألم، والاحتلال لأجل وطن مفعم بالأمل والحرية وغد أفضل.
محمود درويش (1941-2008)، إذن، لم يكن شاعرا عاديا مر بين الكلمات العابرة ومضى إلى حيث يمضي الناس، لكنه شخصية فريدة طبعت قضية بلاده وقضايا الإنسانية، فصار اسمه محفورا بين جنبات الأدب والإنسانية والشعر والحماسة وحب الأوطان ومقاومة الظلم والعدوان.
غادر محمود الحياة في 09 غشت/أغسطس سمة 2008، تاركا وراءه أعمالا بطولية خالدة، سطرت بمداد من ذهب في التاريخ، وحاملا هموم أمّة ووطن فسيح.
إلا أن المميز في محمود درويش، هو قصائده الحُبلى بالرمز، وبالمقاومة، والإشارات الدقيقة.
ومن غريب الصدف، أنه رثى نفسه وودعها في إحدى قصائده الأخيرة  حين أحس بدنو أجله، بعنوان: (لاعب النرد)..
 وكأني بمحمود، رأى نفسه في لحظة ضعف شديدة، ارتّأى خلالها أن يُعبّر عن نفسه، وعن كينونته، وهو على هذه الحالة..
كما رأى نفسه مخلوقا تتقاذفه أمواج الأقدار والصدف، وهو لا يختلف كثيرا عن بقية البشر، اللهم إلا ما كان من صفات خاصة تميز كل واحد على حدة.

إليكم قصيدة (لاعب النّرد) كاملة:
منْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقول لكمْ ؟
وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهاً
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح ناياً ...
أَنا لاعب النَرْدِ ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً ...
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً ،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها :
أَولاً - خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة - الشجرةْ
ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونج ٍ ساخن ٍ
رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة
خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ ...

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ
كانت مصادفةً أَن أكونْ
ذَكَراً ...
ومصادفةً أَن أَرى قمراً
شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات
ولم أَجتهد
كي أَجدْ
شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !

كان يمكن أن لا أكونْ
كان يمكن أن لا يكون أَبي
قد تزوَّج أُمي مصادفةً
أَو أكونْ
مثل أُختي التي صرخت ثم ماتت
ولم تنتبه
إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ
ولم تعرف الوالدة ْ ...
أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ
قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /

كانت مصادفة أَن أكون
أنا الحيّ في حادث الباصِ
حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّة ْ
لأني نسيتُ الوجود وأَحواله
عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ
تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها
ودورَ الحبيب - الضحيَّة ْ
فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ
والحيَّ في حادث السيرِ /

لا دور لي في المزاح مع البحرِ
لكنني وَلَدٌ طائشٌ
من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ
ينادي : تعال إليّْ !
ولا دور لي في النجاة من البحرِ
أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ
رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً
بجنِّ المُعَلَّقة الجاهليّةِ
لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً
لا تطلُّ على البحرِ
لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى
تخبز الليلَ
لو أَن خمسة عشر شهيداً
أَعادوا بناء المتاريسِ
لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ
رُبَّما صرتُ زيتونةً
أو مُعَلِّم جغرافيا
أو خبيراً بمملكة النمل
أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
عند باب الكنيسةْ
ولستُ سوى رمية النرد
ما بين مُفْتَرِس ٍ وفريسةْ
ربحت مزيداً من الصحو
لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ
بل لكي أَشهد المجزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ
وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ
وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي
وخفتُ على زَمَن ٍ من زجاجْ
وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي
وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ
وخفت على عِنَبِ الداليةْ
يتدلّى كأثداء كلبتنا ...
ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ
حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ
من الغد - لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَى / ويغمى عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك
مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيش ِ /

لا دور لي في حياتي
سوى أَنني ،
عندما عَـلَّمتني تراتيلها ،
قلتُ : هل من مزيد ؟
وأَوقدتُ قنديلها
ثم حاولتُ تعديلها ...

كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً
لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ،
والريح حظُّ المسافرِ ...
شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ
أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ
لأن الجنوب بلادي
فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي
ربيعاً خريفاً ..
أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ
ثم أُطيل سلامي
على الناصريِّ الذي لا يموتُ
لأن به نَفَسَ الله
والله حظُّ النبيّ ...

ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ ...
من سوء حظّيَ أَن الصليب
هو السُلَّمُ الأزليُّ إلى غدنا !

مَنْ أَنا لأقول لكم
ما أقولُ لكم ،
مَنْ أنا ؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ
والوحي حظُّ الوحيدين
"
إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ"
على رُقْعَةٍ من ظلامْ
تشعُّ ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلامْ
كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها :
حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
من "أَنايَ" إلى غيرها
واعتمادي على نَفَسِي
وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ
إذا انقطع الوحيُ
والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي
سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟
لو لم أَكن في طريقي إلى السينما ...
كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما
هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما ...

هكذا تولد الكلماتُ . أُدرِّبُ قلبي
على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ...
صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتان ِ :
أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ
يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ
ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا
عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ
لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .
وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .
فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -
لا شكل لك
ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً
من الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً
لأدخل في التجربةْ !

يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه :
هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْ
وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة

للحياة أقول : على مهلك ، انتظريني
إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي ...
في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع الهواءُ
الفكاكَ من الوردةِ /
انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي
فاُخطئ في اللحنِ /
في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ
لنشيد الوداع . على مَهْلِكِ اختصريني
لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،
وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :
تحيا الحياة !
على رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /

حتى على الريح ، لا أستطيع الفكاك
من الأبجدية /

لولا وقوفي على جَبَل ٍ
لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلى !
ولكنَّ مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ
صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناك وحيداً
ولا يستطيع النزول على قدميه
فلا النسر يمشي
ولا البشريُّ يطير
فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية
أنت يا عزلة الجبل العالية !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ
أو سأكونْ ...
هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ
قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا
أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء
نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد
نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ
نحن الذين كتبنا النصوص لهم
واختبأنا وراء الأولمب ...
فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون
وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون
ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال
هو الواقعيُّ على خشبات المسارح ِ /

خلف الكواليس يختلف الأَمرُ
ليس السؤال : متى ؟
بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم ؟

كان يمكن أن لا أكون
وأن تقع القافلةْ
في كمين ، وأن تنقص العائلةْ
ولداً ،
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ
حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً
على هذه الكنبةْ
بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب
ولا صوتُهُ ،
بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه
قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ

كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو
لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً
فوق فُوَهَّة الهاويةْ
ربما قال : لو كنتُ غيري
لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ

هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً
كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ
ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ
في الهواء المقَطَّر بالماء ...
لو كان في وسعه أن يرى غيره
لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ،
وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان ...
ولو كان أَذكى قليلاً
لحطَّم مرآتَهُ
ورأى كم هو الآخرون ...
ولو كان حُرّاً لما صار أُسطورةً ...

والسرابُ كتابُ المسافر في البيد ...
لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ
بحثاً عن الماء . هذا سحاب - يقول
ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخرى
يشدُّ على خصره . ويدقُّ خطاه على الرمل ِ
كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ . والسراب يناديه
يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ
إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا
ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ، وماء .
ويكتب سطراً على الرمل : لولا السراب
لما كنت حيّاً إلى الآن /

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ
توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً
وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً
من شقوق جدارْ
لا أقول : السماء رماديّةٌ
بل أطيل التفرُّس في وردةٍ
وأَقول لها : يا له من نهارْ !

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل الليل :
إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ
مثلنا ... وبسيطاً
كأنْ : نَتَعَشَّى معاً بعد يَوْمَيْنِ
نحن الثلاثة ،
مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا
وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً
منذ يومين ،
فلنحتفل بسوناتا القمرْ
وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء
فغضَّ النظرْ !

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ
وخياليَّةُ الأمكنةْ
بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ

ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً
لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها
نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ
بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك
وصلَّى على صخرة فبكتْ
وهوى التلُّ من خشية الله
مُغْمىً عليه

ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ
متحفاً للهباء ...
لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك
من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين
يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في
خيمتين حريرَتَين من الجهتين ...
يموت الجنود مراراً ولا يعلمون
إلى الآن مَنْ كان منتصراً !

ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا :
لو انتصر الآخرون على الآخرين
لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخرى

"
أُحبك خضراءَ" . يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً
تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ
أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق...
برفق ِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .
أَنا بذرة من بذورك خضراء ... /

تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ
كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ ...

من أنا لأقول لكم
ما أَقول لكم ؟
كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا
كان يمكن أَلاَّ أكون هنا ...

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ
بي صباحاً ،
ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى
فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ
كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ
ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ

كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ،
أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي
عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ،
أَن أَتشظّى
وأصبَح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ،
أَن أَفقد الذاكرة .

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً
فأصغي إلى جسدي
وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ
فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق
عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً
وأُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟
من أنا؟ من أنا؟

هنا يُنهي محمود درويش قصيدته الطّويلة، مُحاولا إقناع القارئ أنّهُ ماض في طريقه إلى "الفناء"، وأنّه كما لم يتدخّل هو في إيجاد نفسه، وفي التّحكّم في الكثير من لحظات حياته، فإنّه سائر إلى النّهاية.
لتظل قصيدة (لاعب النّرد)، آخر قصائد محمود درويش قبل أن يلتحق بربّه، تاركا وراءه أشعارا طويلة وهادفة، تحمل قضايا وطنية وإنسانية صادقة، وتتحدّى جبروت الاحتلال والتّهجير وقسوة الأيّام.