طه عبد الرحمن ونظريته التربوية : من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر


يُعد كتاب (من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر)، عملا فريدا إبداعيا لفيلسوف الأخلاق المغربي، الدكتور (طه عبد الرحمان)، وهو عبارة عن أوراق بحثية ومقالات علمية تستهدف مجال التربية والفلسفة، جمعها الأّستاذ (رضوان مرحوم).
وسأعتمد على طبعته الثانية (بيروت 2016- المؤسسة العربية للفكر والإبداع)، في إنجاز قراءة مقتضبة عن محور التربية الذي افتتح به الكاتب مؤلفه الذي ينيف عن 100 صفحة من الحجم المتوسط.
طه عبد الرحمن .. فيلسوف الأخلاق:
ولد الدكتور (طه عبد الرحمن) بمدينة الجديدة المغربية، سنة (1944)، وبدأ دراسته الأولى هنالك، ثم انتقل لمتابعة دراسته الإعدادية بمدينة (الدار البيضاء).
وفي المرحلة الجامعية درس ب(جامعة محمد الخامس) بمدينة الرباط، حيث حصل على إجازة الفلسفة، واستكمل دراسته بجامعة السوربون، حيث حصل فيها على إجازة ثانية في الفلسفة، ودكتوراه السلك الثالث 1972م، ثم دكتوراه الدولة سنة 1985.
ورجع إلى المغرب ليبدأ مهمته المهنية مُدرّسا للمنطق وفلسفة اللغة بجامعة (محمد الخامس).
ويُلقّب الدكتور (طه عبد الرحمن) ب"فيلسوف الأخلاق"، حيث انصبت غالبية نقاشاته الفلسفية حول هذا المرتكز الأصيل، وأنتج تبعا لهذا، أعمالا فلسفية عديدة، أذكر منها:
-الحوار أفقا للفكر.
-بؤس الدهرانية.
-دين الحياء، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني.
-روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية.


من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر:
كما هي حال أعمال مفكرنا الكبير (طه عبد الرحمن)، فإن هذا العمل الفريد الذي نحته على شكل ورقات بحثية، يتكون من أربعة محاور أساسية: (التربية-الفلسفة-تجديد العقل-تجديد الإنسان).
وسيرتكز هذا المقال على المحور الأول تحديدا، لأنه موطن الشّاهد هنا، وفق ما يلي:
أولا: فقه التربية .. تأسيس فلسفي
افتتح فيلسوف الأخلاق هذا المحور، بالحديث عن شروط تأسيس النظرية التربوية الإسلامية،بحيث  حددها في: ضرورة التأسيس من داخل الدين لا من خارجه، باعتبار التدين هو طريقة تحقيق الإنسان ذاته في الوجود، ثم إن التأسيس مقيد بالتاريخ غير مستقل عنه بهدف استعادة الهوية والذات.
كما يجب أن يتقرر على أن التأسيس تربوي لا مجرد تأمل تجريدي. ذلك أن الأصل في الفلسفة هو السؤال عن المنهج الذي يُوصل الإنسان إلى تحصيل الحياة الطيبة، واالتربية إجمالا ليست إلا تنشئة الفرد على ذلك المنهج الموصل إلى الحياة.
وفي الأخير اشترط الدكتور (طه عبد الرحمن)، أن يتقرر لدى المؤسسين أن هذا التأسيس ضروري لا مجرد تعليل كمالي.

ثانيا: المبادئ الفلسفية للنظرية التربوية الإسلامية
إن النظرية التربوية الإسلامية تقوم على مجموعة من المبادئ الفلسفية التي تلتصق بها دوما، وهي كما يلي:
1-ينبغي أن يكون كل مُقوّم تربوي إسلامي عنصرا ثابتا ومستقلاّ وحيّا ومبدعا، وفق مبادئ أربع: (الثبات – الاستقلال – الحياة – الإبداع).
2- ينبغي أن تنشغل النظرية التربوية الإسلامية بالتأصيل الإيماني للخطاب التربوي.
3-ينبغي أن تُجدّد النظرية التربوية الإسلامية في المُتعلّم المسلم الإنسان بكُلّيته، بحيث يعرف مرجعيته ومعنى وجوده، حتى لا يعيش التيه والضياع، ممّا يُمكّن إخراج المسلم إلى الوجود بصفتين هامّتين:
أ-إنسان كوثر لا أبتر: إنسان كثير الخير بصرف طاقاته لسدّ كافّة حاجياته.
ب- إبداع الإنسان الكوثر إبداع مُثوّر لا مصوّر.
4- الاشتغال على إحياء روح المُتعلّم: وهنا ينبغي أن لا تقتصر الرسالة التربوية الإسلامية على تجديد محدود للمتعلّم، ممّا يمنح الفرصة لإحياء الإنسان انطلاقا من إحياء روحه. لأنّ الروح هي الأصل الذي تتشعب منه كافّة القدرات والملكات، كما أن الفصل بين العقل والقلب يؤدي إلى تجزيء مدارك الإنسان والإنسان نفسه، فالرّوح قبس ملكوتي فينا.
وهنا يقترح الكاتب توسيع مفهوم (المواطنة) ليشمل (المُخالقة) إذ الأخيرة أعمّ وأوصل بالدّين.
5- توسيع العقل وتثبيت الإرادة: ذلك أنّ العقل الموسّع يجعل المتعلم يعامل كل ظاهرة على أنها آية تورّث الإيمان.

هذا أهمّ ما جاء في المحور المتعلق بالتربية من كتاب (من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر)، وهو عُصارة مجهود فكري تربوي دقيق، ساهم به فيلسوف الأخلاق في النقاشات الدائرة حول المبادئ التربوية وأهم منطلقاتها ومرتكزاتها، وأغنى به رفوف المكتبات لمن أراد توسيع مداركه الفكرية فيما له علاقة بالتربية.

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "طه عبد الرحمن ونظريته التربوية : من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر"


الابتسامات الابتسامات