هوس الاستهلاك في رمضان والاستثمار في الخوف من جوع المستهلك


تسير جل المظاهر التي تطغى على سوق الاستهلاك كلما اقترب شهر رمضان الأبرك في مجتمعاتنا على نحو مناقض تماما لمدلول "الصيام"، كمصطلح معبر عن الإمساك والكفّ عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبّد، وهو ما يجعل نسب الاستهلاك ترتفع بشكل كبير مقارنة مع بقية الأيام، ويدفع الأمر بالمختصين إلى تقديم إجابات مختلفة عن هذه الظاهرة التي تبدو غريبة في أصلها ومضمونها وتناقضاتها.
فأيّ زيارة خاطفة للأسواق قبل هذا الشهر المبارك، بيوم أو يومين، بإمكان الزائر ملاحظة تهافت المستهلكين بشكل كبير على الموادّ الاستهلاكية، بطريقة تدعو  إلى طرح أسئلة إشكالية تُحاول تعرية هذه السّلوكيات وبحث جذورها ومسبّباتها، وإيجاد أجوبة مقنعة في عمق هذا التناقض العجيب.
فما الذي يدفع بالناس إلى زيادة منسوب الاستهلاك في شهر يُفترض فيه الإقلال من المطعومات والمشروبات والشهوات؟
وما الذي جعل النّاس يقتحمون السّوق الاستهلاكية بهذا الزخم في فترة ما قبل رمضان ؟



أولا: رمضان، بين الصّيام وهوس الاستهلاك
يُشير رمضان في جوهره إلى الكفّ والإمساك عن الشّهوات بنيّة التّعبّد، لكنّ التّرجمة الواقعية لهذا التّحديد عند بعض المُجتمعات المُسلمة يدُلّ على مناقضة المعنى.
فالنّاظر لهذا الواقع عبر بوّابة الأسواق بشتّى ألوانها وأصنافها، يكتشف هذا المُعطى بشكل مُباشر، ممّا يُحيل على تجذّر النّمط الاستهلاكي في نفوسنا أفرادا وجماعات، ويُحيل على تغول القيم الرأسمالية وحرية السوق وطغيان النظرة المادّية على جوانب الحياة الإنسانية المتشعّبة.
فأن تخرج العائلة عن بكرة أبيها، رجالا ونساء، كبارا وشيوخا لأجل ممارسة فعل التّسوّق، بالزّخم الاستهلاكي الكبير أمر يُعبّر لا محالة عن هذا الهوس الكامن في سيكولوجية مجتمعاتنا أفرادا وجماعات، وفق منطق حبّ تملّك السّلع والبضائع التي تُستهدف من فعل التّسوّق بأيّ ثمن.
وهُو أيضا، لوحة مُعبّرة عن الاستجابة القويّة لدُعاة الإشهار والإعلان والاستهلاك المُرافق ل"البريستيج" وإتيكيت إشباع هوس التّملّك والاستهلاك، ومحاولة يائسة لسدّ جشع غريزة تُثيرها وسائل الإعلام المُتغوّلة في حياة النّاس بشكل رهيب.



ثانيا: الاستهلاك في رمضان.. استثمار في الخوف من الجوع
النّاظر بعمق لواقع الاستهلاك في الشهر الفضيل بمجتمعاتنا يلمس بشكل بدهيّ إحساس الخوف من الجوع في عيون المتسوّقين والمستهلكين، من جميع الطّبقات والفئات، ذلك أن الناس تقبل على المنتوجات مصحوبة بقلق وخوف كبيرين، على المجهول، ممّا يحمل دلالات الخوف من فُقدان هذه المنتوجات في الأسواق، وإمكانية نفاذها وانقطاعها، وبالتّالي فقدانها، وفوات فرصة الاستفراد بها.
وقد انتبه المسؤولون الاقتصاديون والسياسيون إلى هذا المعطى، فصاروا يُكثرون من تصريحات الاطمئنان بوفرة هذه المنتوجات أو تلك، مع وصول شهر رمضان المُبارك.
كما استثمر في ذلك أصحاب المنتجات وعارضيها ومالكيها، عبر برامج موجّهة، تحمل قيم عولمية سلبية في جميع نواحي الحياة تقوم على فكرة الإقناع، وتمتح من تسويق الخوف والعيش عليه !!



الاستهلاك في رمضان.. صورة أخرى من صور إسلام السوق
برز (إسلام السوق)، كمصطلح مع دراسة ل(باتريك هايني)، تكشف الوجه المعلمن لكثير من مظاهر التديّن السائل التي غزت مجتمعاتنا الإسلامية، وجعلت النّاس تهتمّ بالظاهر على حساب الجوهر، وتتخلّى عن روحانية العبادات الدّينيّة نحو المظاهر التي تكتسي طابع العولمة المقنّعة.
ويُمكن أن يُصنّف هذا الزّخم الاستهلاكي الكبير ضمن هذا النّطاق، ويُعتبر بالتّالي شكلا من أشكال العلمنة الاقتصادية التي غزت مجالنا التّداولي الإسلامي وحتّمت علينا الخضوع لأبجديات اقتصاد السّوق، والاستسلام أمام الاستهلاك الكبير للمنتوجات المدعومة من حرية السوق وليبرالية الاقتصاد.
إنّها بلا شكّ مُعضلة تنضاف إلى واقعنا المعيش، وتدفعنا نحو اعتراف قويّ بوجود أزمة في صيامنا الذي بات يرتكز على المظهر أكثر من الجوهر، وعلى المادّة أكثر من الرّوح ويجعلنا نتساءل: وهل فهمنا الصّيام حقّا؟ !

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "هوس الاستهلاك في رمضان والاستثمار في الخوف من جوع المستهلك"


الابتسامات الابتسامات