كيف نستقبل شهر الصيام؟



الصيام هو الإمساك عن الشهوات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام التي لا يقوم إلا بها، فرضه الله تعالى على عباده في السنة الثانية من الهجرة، شهرا واحدا في السنة، قائلا في محكم كتابه: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذيم من قبلكم لعلكم تتقون).
فكان لهذه العبادة شأن عظيم بين المسلمين، وقدر كبير بين الناس، وهذا ما يظهر جليا في عباداتهم وعاداتهم وسلوكاتهم كلما حلّ عليهم هذا الشهر الفضيل، بدءا بالمساجد التي تملأ عن آخرها، وانتهاء بالأسواق التي تعرف اكتظاظا واضحا وإقبالا منقطع النظير.
لكن، في ذات الوقت، تبرز للظاهر سلوكيات وتصرفات شاذة، تعكر على بعض الناس صفو أيامهم المباركة، بسبب أو بدونه.
وهنا لا بد من تسطير سبل كفيلة بالتخلص من هذه السلبيات، وتعويد النفس على واقع روحاني جديد، ملؤه المحبة وربط الصلة بالخالق والتسامي عن الرذائل والمنكرات.
ولتحقيق هذه المقاصد الأصيلة، لا بد من اتباع الخطوات الآتية:



أولا: معرفة مكانة الصيام في الدين الإسلامي
إن للصيام مكانة مميزة في الدين الإسلامي، ذلك أنه ركن من أركانه، خصّه الباري تعالى بمجموعة من النصوص، سواء في محكم كتابه، أو على لسان نبيه محمد صلى الله  عليه وسلم، ونذكر من ذلك ما يلي:
- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183))-البقرة: 183-
-وقال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185))-البقرة: 185-
-وعَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) –رواه البيهقي-
- عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (ما من حسنة يعملها بن آدم إلا كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي الصيام جنة وللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) –النسائي-



ثانيا: معرفة أحكام ومقاصد الصّيام
إن أي صيام لشهر رمضان الفضيل، دون معرفة أحكامه، يجعل المرء -لا محالة- معرضا للتيه، والاكتفاء بالقشور التي علقت بالتقاليد والأعراف الاجتماعية ولو من غير دليل، دون أن ينفذ إلى المضامين الدّقيقة والمعاني الجليلة لشعيرة ربانية تكتنز أحكاما دقيقة ومقاصد نبيلة.
ولفهم ذلك، وجب مطالعة الأحكام الفقهية المتعلقة بشهر الصيام، والرجوع إلى كتب الفقه التي تناولته في مضانها، لمطالعة ما يتوجب على المرء معرفته، حتى يتعامل مع الشهر الفضيل بالطريقة المثلى، سواء تعلق الأمر بأنواع حكمه‘ أو فرائضه أو سننه أو مبطلاته...
كما يلزم على الذي ينتظر حلول الشهر الفضيل النظر في المقاصد السامية التي يهدف الصيام تحقيقها، سواء ارتبط الأمر بالمقاصد العامة لهذه الشعيرة، كما هو الحال بالنسبة للضروريات الخمس المتعلقة بها، وسواء ارتبط الأمر بالمقاصد الخاصّة بشعيرة الصيام.
وهذه المسألة الأخيرة، تجعل المرء يتجاوز النظرة السطحية لموضوع الصيام بكونه مجرد امتناع عن الأكل والشرب وكافة الشهوات.



ثالثا: الاستعداد النفسي
إن الصائم لا يلزمه أن يستعد من الناحية المادية لشهر رمضان وفقط، يطهو ما لذ وطاب من المأكولات ويجمع ويخزن المعطعومات كأنه بهذا يستعد لتجاوز أيام عصيبة، لكن الصّائم تلزمه عدة روحية تلامس جانبه النفسي، وتشحنه بمقومات التقوى، وتعينه على العبادة، وتجاوز شهوات النفس، فيزداد بذلك تجملا، قادرا على مجابهة كلّ مثبطات العزيمة لصيام شهر رمضان الأبرك.



رابعا: وضع برنامج غني ومتكامل قابل للتطبيق
إن شهر رمضان مدرسة قائمة الأركان، تتأسس على عادات دقيقة وعبادات روحانية أصيلة، لذا على الصّائم، أن يستعدّ لهذا الشهر الفضيل، ببرنامج غني يخرج منه بفوائد جمّة.
من هذا البرنامج، يلزم إدراج أهمّ العبادات وأجلّها، بدءا بتعويد النفس على إقام الصلاة في وقتها المحدد ببيوت الله العامرة، ثم أداء النوافل (كصلاة القيام)، والاشتغال بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم، وتربية النفس على التحمّل والصّبر...
كما يجب تعويد النفس على الاشتغال بالعبادات والمتنوعة خشية الملل، والكفّ والإمساك عن كلّ ما من شأنه إذاية الخلق، والانتقاص من فريضة الصوم.
كما يلزم على الصائم وضع برنامج عمليّ لاكتساب معارف وخبرات جديدة، وذلك بتخصيص حيّز يومي لربط الصلة بالكتاب، وحضور ندوات أو محاضرات ثقافية وفكرية، للإفادة والاستفادة.
كما يظلّ شهر رمضان الأبرك فرصة لا ينبغي أن تفوت الصّائم، دون أن يتخلص من سوء العادات التي ألفها، بتعويد النفس على الترك والابتعاد.
إلى هنا يكون الصّائم قد استعدّ بشكل كبير لشهر رمضان الفضيل، شهر القرآن والقيام..، شهر بمثابة مدرسة متكاملة الأركان لمن أراد أن يتعلم أصول الدين والأخلاق.

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "كيف نستقبل شهر الصيام؟"


الابتسامات الابتسامات