لماذا صار بايرن ميونخ الألماني أنجح الأندية الكروية؟


يعد بايرن ميونخ الألماني من أعرق الأندية الألمانية والأوروبية عموما، إذ تأسس سنة 1900 بمدينة ميونخ-مقاطعة بافاريا الألمانية، ومنذ ذلك التاريخ ساهم بشكل كبير في الذاكرة الكروية الألمانية، بتحقيقه نتائج باهرة، وحصده جميع الجوائز الممكنة، إذ دخلت خزينته ما يزيد عن سبعين لقبا، تتنوع بين ما هو قاري ودولي ومحلي. وهو ما يعطيه هيبة كبيرة في المجال الكروي، ويمنحه الأفضلية في أي مسابقة يدخل غمارها.
ولهذا، كثيرا ما لهجت ألسن المشجعين، ومتابعي كرة القدم: "لا شيء تغير، بايرن ينتصر دوما !! "، كناية عن واقع مباريات "إف سي هوليود" الألماني، وما تؤول إليها نتائجها.
فما الذي جعل هذا الأمر قاعدة في عالم يعجّ بالمفاجآت والأحلام كعالم كرة القدم الذي لا يخضع لثبات القواعد ؟ !
البايرن سيد التسيير والتدبير:
الناظر لمسيرة بايرن ميونخ الألماني، منذ النشأة إلى الآن، يجد اليوم نوعا من الثبات والاستقرار داخل أروقة النادي التدبيرية، ويلحظ نموذجا للفرق الكروية دائمة الظهور في أعرق المواعيد الكروية، بل وعلى منصات التتويج.
لكن، قد يجهل الكثيرون، أن هذا الفريق نموذج راق للإدارة الفنية والتقنية، الحكيمة لمختلف الجوانب المتحكمة فيه، حيث  الصرامة والانضباط الألمانيين، والإتقان والتفاني في العمل، والاعتماد على ذوي الاختصاص (لاعبون سابقون هم من يسيرون النادي كرويا رفقة خبراء ماليين وإداريين يتكفلون بمجالاتهم الخاصة، دون أن يحصل التداخل في الاخصاصات).
العمل الدؤوب في صمت:
النّاظر إلى الصفقات التي يعقدها النادي البافاري والأرباح التي يحققها  عبر عقود الرعاية، أو حقوق البث التلفزية، أو خلال بيع اللاعبين...، لن يسمع ذلك الضجيج الذي يُسمع في الغالب الأعمّ لدى بعض الفرق الكروية التي لا تتقن العمل بهذه الشاكلة.
فالنهج الألماني الذي تتبعه الإدارة أوصل بايرن ميونخ إلى وضعه الحالي، دون ديون تذكر، وبلمعب راق يعد الأفضل هو "أليانز آرينا"، ومنشآت رياضية متطورة وحديثة، وفروع فاعلة في الأسواق العالمية، تعمل وفق منهجية دقيقة.
بايرن ميونخ وجه ألماني الكروي:
يمثل بايرن ميونخ بعقلية البطل الراسخة لديه، وجها وضاءا لكرة القدم الألمانية للعالم كله، ذلك أنه دائم النجاح في المسابقات الكروية، ويضم في صفوفه دوما أكبر عدد من اللاعبين الألمان الدوليين الذين يمثلون عصب المنتخب الألماني، مما يجعله الوجهة المفضلة للمواهب الألمانية الصاعدة كل موسم، والوجه الكروي اللائق بسمعة تمثيل بلده أحسن تمثيل.
الاحترام والتقدير وظاهرة ميا سان ميا:
يحظى العاملون في صفوف بايرن ميونخ الألماني بوضع خاص جدا، بما في ذلك اللاعبون والمدربون الذين ينالون تكريما متميزا، تبعا لما قدمون فترة خدمتهم للنادي، وهذا ما يفسر الوداعات الفترات الطويلة التي يقضيها اللاعبون في صفوف هذا النادي على النقيض من النوادي الكروية الأخرى التي تغيب فيها اللحمة العائلية التي تقدر الوضعية الاعتبارية لكل فرد على حدة. كما يحظى المغادرون بوداعات تليق بمكانتهم، وبفترة لعبهم للنادي.
ويجمع بين كافة الأفراد العاملين بالنادي ما بات يعرف بظاهرة (ميا سان ميا)، والتي تعني بالعربية (نحن من نحن !)، كناية عن روح التضحية والوفاء، وقيم الشجاعة والبطولة في مواجهة كافة التحديات التي تعترض سبيل النادي العريق.
هذه، وغيرها، أسباب جعلت من النادي البافاري، فريقا لا يهزم كرويا وإداريا ماليا، ومنحت له قيمة اعتبارية بين النوادي الكروية على مستوى العالم برمته.

Mia San Mia نحن من نحن ؟!


بالأمس القريب (18/05/2019)، ودع جمهور بايرن ميونخ الألماني اثنين من أعظم الأجنحة الكروية على مستوى الساحرة المستديرة، مما أسدل الستار على فصل عريض من الوفاء الكروي، الذي امتد ما يزيد عن عقد من الزمن، في لحظات مؤثرة ومتناقضة امتزج فيها فرح التتويج بدرع البونديزليجا بعد منافسة شرسة مع الغريم التقليدي (بروسيا دورتموند)، بحزن وداع (الروبيري) وما رافق ذلك من حضور جماهيري قوي تابع آخر لمسات وفنيات جيل صنع الأمجاد وسطر تاريخا يصعب أن يتكرر.



باي باي روبيري:
لا أدري كيف ستكون عليه السنوات القادمة من عمر البافاري دون الروبيري، واحدة من محددات هذا الفريق العريق وركائزه المتينة. وكيف سيتم جبر الفراغ الذي سيخلفه الاثنان في قيادة مشروع (إف سي هوليود) الألماني العريق.
ولعل القارئ أن يسأل: ما الذي جعل للروبيري مكانة كبيرة في الساحة الكروية إلى هذا الحد من من الاهتمام؟
أ-الوفاء: لو كان الوفاء يتشكل في الميدان الكروي على هيأة لاعبين من لحم وعظم، لكان ذلك باد على الروبيري.
 ففرنك ريبيري (1983) الفرنسي، الجناح الأيسر بالفريق الأحمر، والذي انتقل إليه قادما من فريق (مارسيليا) الفرنسي، وقضى فيه 12 سنة بالتمام والكمال، لا يمكن أن توصف مسيرته إلا بوصف الوفاء، حيث عاشها الاثنان على وقع الصدق والتضحية والعشق المتبادل كل هذه المدة من الزمن.
أما أريين روبين الهولندي، الذي استقر به المقام ببايرن ميونخ الألماني منذ صيف 2009، قادما من ريال مدريد الإسباني، فشغل مركز الجناح الأيمن، في تكامل عجيب للأدوار بينه وبين فرانك، لما يناهز 10 سنوات، كانت كلها موسومة بالتضحيات والوفاء والإنجازات الفردية والقارية والعالمية، يأتي على رأسها إنجاز 2013 التاريخي بسداسيته التي لم يحققها إلا القليل من الأندية الكروية على مدار التاريخ.
وعرف روبين باللاعب الزجاجي بفعل الصورة الهزيلة التي يظهر فيها بدنه مثخنا بالإصابات المختلفة، التي تغيبه عن الملاعب فترات، لكنه يعود من جديد ليسطر اسمه بمداد من ذهب على المستطيل الأخضر، فلم يتخل عنه النادي طيلة هذه المدة، حتى أضحى اليوم واحدا من أساطير النادي، بإنجازاته التي يأتي في مقدمتها هدفه على أسود الفيستيفاليا بنهائي ويمبلي،في واحدة من الملاحم الدرامية الكروية الأوروبية، حتى أضحى مشهورا بين جمهور بايرن ب(مستر ويمبلي).
ب-العزيمة والإصرار: من نظر المسيرة الحافلة لجناحي بايرن، سيلمس التضحية الكبيرة التي صاحبت مسيرتهما، في فترات متقطعة من الزمن الكروي الذي قضياه بأليانز أرينا، فالجميع يتذكر اللحظات الكروية العسيرة التي عاشاها معا، لعل أبرزها النهائي الشهير مع تشيلسي في معقل الأحمر سنة 2012، لكنهما ما لبثا أن أعادا الكرة في السنة الموالية ليتوجا بسداسية تاريخية نادرة، بعد أن اعتقد كبار المتفائلين أن الإحباط سيجرهما إلى مستنقعه جرا.
وعلى المستوى الشخصي، عانى فرانك ريبيري التهميش وقلة التقدير من المنتخب الفرنسي بعد أزمته الشهيرة، ثم قاسى الظلم سنة 2013، عندما حرم من الكرة الذهبية فيما بات يعرف بفضيحة تمديد التصويت لصالح البرتغالي كريستيانو رونالدو. ورغم كل هذا، حافظ ريبيري على إصراره لتحقيق إنجازات كروية مهمة مع الفريق البافاري.
فيما عانى الهولندي أريين روبين التقدير اللازم على المستوى الرياضي بعدما قدمه من إنجازات، وتعرض لإصابات عضلية طويلة الأمد حرمته من مداعبة الجلد المدور في لحظات حرجة من المواسم الكروي، ومع ذلك، استمر في تقديم أحلى العروض التي صنعت له منهجية فريدة في الرواق الأيمن من ملاعب الكرة. وحقق إنجازات عظيمة مع البافاري طيلة المدة التي قضاها في صفوفه.



ظاهرة ميا سان ميا ونجاحات الروبيري:
عرف بايرن ميونخ الألماني بظاهرة ميا سان ميا mia san mia، والتي تعني بالعربية (نحن من نحن؟!)، مما جعل جميع الفرق الأوروبية تخشى المقابلات الكروية مع الزعيم البافاري، لأنها على دراية بأن الطريق في أي بطولة يوجد بها يعد محفوفا بمخاطر الهزيمة والخروج.
ويسود انطباع لدى متابعي كرة القدم، على أن النهج الكروي الذي يسلكه الفريق البافاري، يعد مميزا بين الفرق الكروية، حتى وصف ب(الوحش) لدى الصحافة الكروية الأوروبية، وعدت ملاحمه مسجلة في تاريخ الكرة العالمية، بحضوره الدائم والقوي في الأدوار المتقدمة في كل بطولة، وشغف لاعبيه، وحبهم للتضحية في سبيل القميص.
وتشكل إضافة الروبيري مميزة بالنظر إلى النهج الذي سلكاه ومميزاتهما في إيقاظ همم اللاعبين، والقتالية على أرض الملعب مما منحاهما شعورا بالانتماء لفريق عريق يقدر قيمة أساطيره ولاعبيه، مما يحيل على أن (بايرن ميونخ) الألماني أكبر من مجرد ناد تجاري يغيب القيمة الإنسانية للاعبيه، كما هو الحال بالنسبة لبعض الفرق التي تغلب الجانب التجاري الاقتصادي.

أسرار النجاح ال17



يُعدّ النجاح واحدا من المصطلحات التي يتم تداولها بشكل كبير في كافة المجالات والميادين، ذلك أنّه يعدّ الهدف الأسمى للأفراد والمجتمعات، وباتت أساليب تحقيقه الشغل الشاغل لجمهور واسع من الناس، كل حسب طريقته واستراتيجيته في ذلك.
كما يعتبر النجاح مسألة نسبية لا يمكن الجزم بشأنها، إذ يختلف الأمر من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن مجال لآخر. فارتبطت به العديد من الأسرار التي لها علاقة مباشرة بوضعية الإنسان العمرية والسنية، أذكر منها 17 سرّا وفق ما يلي:

    1- النجاح في 03 سنوات الأولى: يعد مفهوم النجاح بالنسبة لطفل في سنته الثالثة بسيطا إلى حد كبير مقارنة مع غيره ممن يكبرونه سنّا، إذ إنّ أقصى الأماني المحيطة بطفل في هذا السّنّ، هو أن لا يتبوّل في ملابسه، فيتخلّص من هذه الوضعية نحو  الوعي بضرورة التبوّل خارج المألوف لدى جيله.

    2- النجاح في سن الثامنة 08: يرتبط النجاح في هذه الفترة، ببداية التعرف على المحيط الخارجي، ومحاولة التأقلم معه وفهمه، مما يتحتم على الطفل في هذا السن أن يعقل طريق العودة للمنزل، كمؤشر واضح على النجاح في هذه الفترة.

    3- النجاح في سن الثانية عشر: يُعدّ المحدّد الأول للنجاح لدى الطفل في هذه الفترة السّنّيّة بمؤشرات عدة، لعلّ أبرزها التّمكّن من التّعامل مع المحيطين به في المجتمع، وبناء قاعدة موسّعة من الأصدقاء المحبوبين.

    4- النجاح في سنّ الثامنة عشرة: في هذه الفترة العمرية يظهر النّجاح على شكل صور مختلفة مناسبة لهذه الفترة العمرية، ومنها على سبيل النّموذج، النّجاح في امتلاك رخصة السّيّارة..


    5- النجاح في سن 23: في هذه الفترة تحديدا، يُعدّ التّخرّج من الجامعة بشهادة علمية تؤهلك للولوج لسوق الشغل ومواجهة مصاعب الحياة مؤشرا على النجاح.

    6-  النجاح في سنّ 25: يبحث الشّابّ في هذه الفترة بمجتمعاتنا على عمل يقيه ذُلّ السّؤال والعالة على أقرب النّاس إليه، ممّا يُؤهّله لأن يُسمّى ناجحا في حال حصوله على هذا العمل، خاصّة في ظلّ الظّروف الصعبة المحيطة بسوق الشّغل، وبالعوامل الاقتصادية الصّعبة التي يعيش الشّباب على وقعها.

    7- النّجاح في سنّ 30: في هذه الفترة بالذّات، يكون تكوين العائلة واحدة من المؤشّرات الدّالّة على هذا النّجاح، لأنّ هذه الفترة تدلّ على النّضج العقلي والجسماني للشّابّ واكتمال مؤهّلاته وقدراته لتحمّل أعباء الأسرة.

    8- والنّجاح في سنّ 35: في هذه الفترة، يبحث الإنسان عن جمع المال، وكلّما كان الرّصيد المالي كبيرا،  كُلّما كان مؤشّر النّجاح واضحا.

    9- النجاح في سنّ 45: يُحاول الإنسان في هذه المرحلة المحافظة على سمت الفترة الشبابية، وعدم الانجرار وراء هيأة الكهولة، وكلّما حقق ذلك، كان بالنسبة له مؤشرا على تحقيقه النجاح المنشود في هذه الفترة.

     10- النجاح في سن 50: يظهر النجاح في هذه المرحلة على شكل تربية الأولاد التربية المرجوة، وتأهيلهم لموجهة مصاعب الحياة وتحدياتها.

    11- النجاح في سنّ 55: يُمثّل النّجاح في هذه الفترة القدرة على تحمّل الأعباء الأسرية، ويشير ذلك إلى واحد من أكبر التحدّيات التي لا يضطلع بها إلاّ النّاجحون.

     12- النجاح في سنّ 60: قد تكون هذه المرحلة دقيقة جدّا، ومؤشرات النجاح فيها قد تبدو للبعض تافهة، ذلك أن القدرة على الحفاظ على رخصة القيادة بعد التعب والضنك الذي لحق القدرات العقلية والبدنية للإنسان مؤشرا على النجاح.

     13- النجاح في سنّ 65: النّجاح في هذه الفترة منوط لحدّ ما بالقدرة على مجابهة الأمراض والأسقام التي تعتري الإنسان الذي يودّع فترة الهرم ويشارف مرحلة الشيخوخة.

     14- النجاح في سنّ 70: كلما كبر الإنسان في سنّه، وبلغ مرحلة الشيخوخة والكبر، بدا مفهوم النجاح بالنسبة له أكثر دقة، وذات حمولة مهمة. ويعدّ تصرف الإنسان بنفسه لتلبية حاجاته الأساسية دون أن يكون عالة على أحد عاملا للنجاح.


     15- النجاح في سن 80: في هذه الفترة من العمر، حيث بلغ الإنسان مبلغا لا بأس به في عمره المُمتدّ، يُعتبر المحافظة على شيء من الذّاكرة التي يغشاها النسيان والخرف وغيرهما مؤشرا واضحا على النجاح.

    16- النجاح في سنّ 85: وهنا تعود السّيرة الأولى، ويرجع الإنسان القهقرى نحو الوراء، فيصير النجاح بالنسبة له في هذه الفترة قدرته على تجنب التبول على نفسه في ملابسه، قال الله تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68))- يس-
إلى هنا، يكون مفهوم النجاح ذات معان نسبية نظريا وتطبيقيا، تختلف باختلاف صاحبه، وبالظروف المحيطة به زمانا ومكانا.

ومهما بلغ الإنسان من مراتب النجاح في هذه الحياة، تطغى النسبية على واجهة أعماله، فيغدو النجاح على مستوى الحياة نسبيا إلى حدّ بعيد.

حسن أوريد، كيف حاول إعادة تركيب هوية المغرب من بوابة سيرة حمار؟



كثيرة هي الكلمات التي قيلت وتقال في حقّ حسن أوريد، منها ما صدر عن مؤيدي طريقته في التفكير والكتابة والإبداع، ومنها ما صدر عن معارضيه، إذ كثيرا ما حاولوا النبش في مخبوء تاريخ الرجل، دون أن يعيروا اهتماما لإبداعاته، حسدا أو بدونه. لكنّ شبه الاتفاق حصل على الرجل بكونه شخصية بارزة عصامية سطّرت لنفسها مسارا متميزا في كل شيء تقريبا. فمن يكن حسن أوريد؟ وكيف بسط إعادة تشكيل جزء من هوية المغرب عبر سيرة حمار؟

حسن أوريد، الأكاديمي والمثقف والسياسي والكاتب:
يعد حسن أوريد واحدا من أكبر مفكري ومثقفي المغرب المعاصر، برواياته، وكتبه ومؤلفاته، ومقالاته، وإبداعاته المتميزة.
ولد حسن أوريد في 24 دجنبر 1962، بإحدى القرى التابعة لإقليم الراشيدية، وتعلم بالمدرسة المولوية رفقة محمد السادس ولي العهد آنذاك، بمدينة الرباط.
بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، ولج كلية الحقوق والعلوم السياسية بالرباط، وحصل فيها على إجازة في القانون العام، ثم بعدها، دبلوم الدراسات المعمقة.
وفي سنة 1999، سيناقش حسن أوريد أطروحته لتيل شهادة الدكتوراه، والتي أنجزها حول: "الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية والأمازيغية في المغرب".
وتقلد حسن أوريد، مناصب رفيعة في الدولة المغربية، حيث عمل في وزارة الخارجية، وبعدها عُيّن مستشارا لسفارة المغرب بواشنطن-الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي عهد الملك محمد السادس، عُيّن الدكتور حسن أوريد ناطقا رسميا باسم القصر الملكي، كما اشتغل بعدها واليا على جهة مكناس تافيلالت، ثمّ في تأريخ المملكة.
وبعد هذه الرّحلة الأكاديمية والعلمية والعملية، سيقتصر دور حسن أوريد في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمغرب بالوقت الراهن على الاشتغال الأكاديمي، سواء كأستاذ جامعي لأستاذ العلوم السياسية-الرباط، أو ككاتب في مختلف المجالات، من خلال مقالاته التحليلية إلكتروتيا وورقيا، وندواته العميقة، ومؤلفاته الإبداعية التي غزت المكتبات بشكل قوي، فأبدع أعمالا عديدة، منها: المريسكي-الأجمة، سيرة حمار، ...، مما أهله ليصنف كواحد من أبرز مثقفي المغرب المعاصر.

سيرة حمار: أوريد يعيد تشكيل هوية المغرب
تعد رواية سيرة حمار لصاحبها الكاتب المغربي حسن أوريد، من أهمّ المؤلفات المُتداولة حاليا في الحقل الثقافي المغربي. ذلك أنها تعبّر بجلاء عن صاحبها حسن أوريد ذي التجربة الأكاديمية والتاريخية والسياسية العريضة.
سيرة حمار، تمثّل أنموذج الروايات التاريخية والسياسية المكتوبة بأسلوب عربي سلس، والتي تمتح من لغة "كليلة ودمنة"، حاول فيها صاحبها حسن أوريد إعادة تشكيل هوية المغرب الأصيلة بعيدا عن النمطية التاريخانية، التي تكون في العادة منوطة بالظروف السياسية لكل مرحلة تاريخية على حدة.
وقد انطلق الكاتب من الحمار كبطل لروايته الغرائبية، هذا الحمار  الذي كان في أصله شابا يدعى "أذربال" من (أليلي)، والذي شرب محلولا يعتقد في شربه نجاة من بطش أحد أعيان الرومان الذي خانه في زوجته، ممّا صيّره حمارا افتقد الصفة البشرية في الهيئة، دون أن يفقد القدرة على التفكير.
وبهذا، تستمر معاناة الشاب "أذربال" الذي مسخ حمارا "أسنوس"، باستمرار التفكير المتقد بدواخله، دون أن تكون له القدرة على التعبير الإنساني عقب هذا المسخ.
فقد سُجن في مربض حيوانات حكومي، وأشيع بين الناس خبر وفاته، وهو ما رفضه بنهيقه المتواصل، إلى أن بيع لأحد التجار الجشعين ليحمل به الأثقال دون رحمة، وبعدها، سيفر منه باتجاه إحدى الغابات، ليقع مجددا في قبضة قبيلة ستتخذه معبودها، وسيكرم هنالك في النعيم، دون أن تكون له القدرة على الحرية..، وبعد خروجه من هذه الورطة، سقط مجددا في يد قبيلة تعبد الخيل وتكره الحمير، ليرجع إلى سيرة الهرب من جديد.
سيقع الحمار في يد شيخ حكيم يكرمه بعطائه ويحن عليه، لكن ما لبث أن جاء التاجر –المالك الأول للحمار عبر الشراء-، ليعيد بيعه إلى صاحب "السيرك". هذا الأخير، الذي سيطمع في كسب مزيد من الأموال عن طريق تنظيم مباراة مصيرية بينه وبين الأسد، فما كان من "أذربال" –الممسوخ حمارا- إلا أن هرب مجددا.
وصار يبحث عن الآدمية المفقودة منذ شرب المحلول السحري، إلى أن وجدها في بلدته الأصلية (أليلي) رغم كل شيء..، وبعد أن عرج على عين هنالك، استحم فيها لينظف نفسه من القذارات والنجاسات، فاكتشف فجأة أن ذلك سبب لاستعادة إنسانيته المفقودة.

السّرّ في تأليف الرّواية:
في الحقيقة، قارئ الرواية للوهلة الأولى سيتيه بين ما حصل للحمار –أذربال الممسوخ-، ومختلف الأحداث التي تورط فيها في انتقاله من موطن إلى آخر، ومن موقع إلى آخر، لكنّ واقع الأمر، يدل على ما هو أعمق، إذ إن الرجوع إلى بعض تصريحات الكاتب لوسائل الإعلام التي ضمنها سبب تأليفه هذه الرواية، سيكتشف أنّ حسن أوريد يودّ ردّ الاعتبار لجزء من تاريخ المغرب، بعيدا عن المألوف، كما ودّ أن يُحقق بهذا ذاته ووجوده، كمغربي تشرّب الانتماء لبلد أمازيغي تعاقبت عليه ثقافات مختلفة بطريقة أو بأخرى.

فخذ بيدنا معا أيها المستحيل ..


الناظر للوهلة الأولى لهذا العنوان، يتذكر شاعر الثورة والمقاومة، يتذكر فلسطينيا حمل أعتى الأسلحة في وجه الدبابات والطائرات والخذلان والخيانات والمجازر التي يتبع أولها آخرها..
يتذكر الحب في زمن الاحتلال،
يتذكر الأمل وسط عتمة لا يرى فيها صاحب يد يده،
يتذكر الألم الذي يعتصر الغرباء عن وطنهم والمهجرين،
يتذكر الطفل الذي يولد غاضبا على أرض وطن مسلوب الإرادة..، ومن عابرين سرقوا طفولته ورغيفه وزيتونه..، بل ووطنه وحياته..
لقد أخذوا كل شيء !
يتذكر كل هذه الفظاعات والآلام وغيرها ويصرخ بما صرخ به محمود درويش يوما: "فخذ بيدنا معا أيها المستحيل.."،
*********
قد يكون المقام الذي صرخ فيه شاعرنا جزءا لا يتجزأ من قصيدة جادت بها قريحته، وحوار أسطوري نحتته الظروف المحيطة بإبداعه الفذ ذي  المعنى والدلالة العميقين.
لكننا في هذا المقام، استنجدنا بهذه العبارة لأجل إثبات أن الأمل في تحقيق ما عده الكثيرون من حولنا مستحيلا هو الشيء الوحيد الذي يبقينا في صراع دائم مع متاعب الحياة ومجاهلها، بل وهو الذي يأخذ بنا إلى أعلى المقامات عند مقارعة الصعاب وتحديها.
والأمل أيضا قد يغشانا في لحظات الحزن والضعف والانكسار فيصير وقودا لتجاوزها والتخلص من وقعها.
*********
درويش لم يكن مجرد عابر ينتظر قهوته الصباحية كأغلى أمانيه، ليحلم بعاديات الأمور، ويتمنى أسهل وأيسر الأشياء في هذا الوجود.
إنه يود رؤية وطن آخر غير الوطن، وغدا مشرقا مجاوزا لكل أشكال الإحباط..، ومرارة الواقع الأليم، الذي تجرعه صباح مساء.
إنه يتوق لصنع المستحيل..، وكذلك كان !
فما زالت أشعاره تنحت طريقا في تضاريس وعرة، وما زال الأطفال يرسمون على الجدران ملامحه المزينة بنظرة متقدة لقضية هي أم القضايا لديه.
*********
نحن أيضا، يلزمنا أن نجابه متاعب الحياة لتحدي ما نعتبره مستحيلا،
لا يجب أن تقف أحلامنا عند إشباع غرائز عابرة، أو تحقيق أماني بسيطة لا ترقى إلى مستوى يستحق التضحيات تلو التضحيات.
إن الحياة بدون تحديات لا لون لها ولا طعم..، هي حياة عابرة لا تصنع الإنسان، ولا تجعله يشعر بلذة النجاح بعد كل إخفاق.
علينا إذن، أن نحلم بالمستحيل،
أن نأمل تحقيق أشياء تظهر للكثيرين عصية،
أن لا نكون عاديين في تفكيرنا، وفي نظرتنا نحو المستقبل والغد القريب/البعيد.
علينا أن نتمسك بالحلم، والمستحيل،
وعلينا، وعند كل انكسار، أن نردد عبارة محمود درويش:
فخذ بيدنا معا أيها المستحيل !

دور القراءة في بناء شخصية الإنسان



تعد القراءة واحدة من السلوكيات التي ينصرف إليها الأفراد والمجتمعات لغايات مختلفة، كما يتم اتخاذها وسيلة لتحقيق مآرب دنيوية وأخروية، وتتعدد الأهداف بتعدد القارئين. كما تعد القراءة معيارا ومقياسا لمدى تحضر المجتمعات من عدمه، ودلالة رمزية لسعي الإنسان نحو التخلص من أدران شخصيته، وبناء محددات جديدة لبناء هوية جديدة وشخصية قادرة على تجاوز متاعب الحياة.
فما هي أهم الأدوار التي تضطلع بها القراءة في علاقتها بشخصية الإنسان؟




أولا: مفهوم القراءة
تعد القراءة عند الكثيرين بمثابة "تتبع الكلمات المخطوطة أو المكتوبة وتحويلها إلى كلمات منطوقة وملفوظة ذات معان ومفاهيم واضحة يستوعبها العقل ويبني تبعا لها مواقف وتصرفات".




ثانيا: ما الهدف من القراءة؟
بالنظر إلى العديد من القراء الذين يقصدون الفعل القرائي في لحظات معينة من حياتهم، ويخصصون أجزاء كبيرة من وقتهم لهذا الأمر، ثمة خمسة أهداف يتغيونها وراء هذا الأمر، وهي كالآتي:
    1-  الهدف الفطري: إن القارئ حين يقرأ، يسعى لتلبية نداء خفي في عقله وروحه، ذلك أنه يحاول الاستجابة له بما أوتي من وسائل القراءة المتوفرة لديه.
فإن كان الطعام والشراب والجنس...، تمثل غرائز بدنية للجانب المادّي في الإنسان، فإنّ القراءة واحدة من أغذية الروح الإنسانية، بها تستعين للاستمار في العطاء والحياة، والاستمرار في الإنجاز والفعل.
    2 - الهدفُ التّعبّدي: إنّ أوّل الآيات نزولا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في محكم التنزيل، قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)) –العلق-.
فكان أن استجاب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لهذا الأمر الإلهي الذي يفيد الإلزام ابتداء، فسعى نحو التعلّم والتعليم من بوّابة قراءة ما أنزل الله تعالى عليه من آيات  تتلى إلى يوم القيامة.
قال الإمام الشعراوي في معرض حديثه عن هذه الآيات: "... وعندما قال جبريل: { اقْرَأْ }، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته. وتردد القول ثلاث مرات.. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول { اقْرَأْ } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ (... )، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلى يوم القيامة.. لأن كل البشر يعلمهم بشر.. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى. ليكون معلما لأكبر علماء البشر.. يأخذون عنه العلم والمعرفة". (تفسير الشعراوي، تفسير سورة العلق).
3- الهدف الشخصي: إنّ شخصية الإنسان تنبني على مُحدّدات عدّة، منها ما هو فطريّ، ومنها ما هو مُكتسب.
أمّا الجانب الفطريّ فيها فيولد مع الإنسان ويلتصق به كواحد من المُقوّمات الأصيلة التي تُبنى عليها  حياته، في حين، تُستكمل لبنات الشّخصية الإنسانية عبر الاكتساب والممارسة والتجربة، ومواجهة أحداث الحياة ووقائعها.
وتُعدّ القراءة من بين أوسع الأبواب التي يلجها الإنسان لبناء شخصيته وتطويرها إلى جانب أبواب أخرى عديدة.
4- الهدف المعرفي والثقافي: يقرأ النّاس اليوم لأجل استزادة المعارف وبناء رصيد ثقافي محترم. فأيّما قارئ يُطالع كتابا أو مؤلّفا فإنّه لا محالة يفتحُ آفاقا جديدة لبناء معرفة إنسانية جديدة، ومقومات ثقافية هادفة، وصياغة رصيد ثقافي معرفي يساعد على إنارة مُختلف جوانب حياته التي في العادة يكتنفها غموض الجهالة.
5-الهدف الواقعي: إنّ اكتساب فنّ التعامل مع مطبّات الحياة وتشعباتها، وتعقيداتها، وتفاصيلها، يقتضي التّوفّر على كفايات وإمكانات مُختلفة.
وتُعدّ القراءة مصدرا أصيلا لاكتساب كُلّ ما يُمكن لأجل مُواجهة هذه الحياة وتسهيل مأمورية التّصرّف فيها بطرق تُحقّق السّعادة المنشودة، والأهداف المُسطّرة.



ثالثا: هل يستوي الذين يقرؤون والذين لا يقرؤون؟
من المُجحف المُقارنة بين صنفين من النّاس: بين من يقرأ ومن لا يقرأ. فالأوّل يكون في العادة أكثر تكوينا وتأطيرا من الثّاني، بل ويكون ذا شخصيّة فريدة، بالنّظر إلى ما راكمه من معارف وأفكار اكتسبها من الفعل القرائي طيلة مسيرته القرائية.

هوس الاستهلاك في رمضان والاستثمار في الخوف من جوع المستهلك


تسير جل المظاهر التي تطغى على سوق الاستهلاك كلما اقترب شهر رمضان الأبرك في مجتمعاتنا على نحو مناقض تماما لمدلول "الصيام"، كمصطلح معبر عن الإمساك والكفّ عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبّد، وهو ما يجعل نسب الاستهلاك ترتفع بشكل كبير مقارنة مع بقية الأيام، ويدفع الأمر بالمختصين إلى تقديم إجابات مختلفة عن هذه الظاهرة التي تبدو غريبة في أصلها ومضمونها وتناقضاتها.
فأيّ زيارة خاطفة للأسواق قبل هذا الشهر المبارك، بيوم أو يومين، بإمكان الزائر ملاحظة تهافت المستهلكين بشكل كبير على الموادّ الاستهلاكية، بطريقة تدعو  إلى طرح أسئلة إشكالية تُحاول تعرية هذه السّلوكيات وبحث جذورها ومسبّباتها، وإيجاد أجوبة مقنعة في عمق هذا التناقض العجيب.
فما الذي يدفع بالناس إلى زيادة منسوب الاستهلاك في شهر يُفترض فيه الإقلال من المطعومات والمشروبات والشهوات؟
وما الذي جعل النّاس يقتحمون السّوق الاستهلاكية بهذا الزخم في فترة ما قبل رمضان ؟



أولا: رمضان، بين الصّيام وهوس الاستهلاك
يُشير رمضان في جوهره إلى الكفّ والإمساك عن الشّهوات بنيّة التّعبّد، لكنّ التّرجمة الواقعية لهذا التّحديد عند بعض المُجتمعات المُسلمة يدُلّ على مناقضة المعنى.
فالنّاظر لهذا الواقع عبر بوّابة الأسواق بشتّى ألوانها وأصنافها، يكتشف هذا المُعطى بشكل مُباشر، ممّا يُحيل على تجذّر النّمط الاستهلاكي في نفوسنا أفرادا وجماعات، ويُحيل على تغول القيم الرأسمالية وحرية السوق وطغيان النظرة المادّية على جوانب الحياة الإنسانية المتشعّبة.
فأن تخرج العائلة عن بكرة أبيها، رجالا ونساء، كبارا وشيوخا لأجل ممارسة فعل التّسوّق، بالزّخم الاستهلاكي الكبير أمر يُعبّر لا محالة عن هذا الهوس الكامن في سيكولوجية مجتمعاتنا أفرادا وجماعات، وفق منطق حبّ تملّك السّلع والبضائع التي تُستهدف من فعل التّسوّق بأيّ ثمن.
وهُو أيضا، لوحة مُعبّرة عن الاستجابة القويّة لدُعاة الإشهار والإعلان والاستهلاك المُرافق ل"البريستيج" وإتيكيت إشباع هوس التّملّك والاستهلاك، ومحاولة يائسة لسدّ جشع غريزة تُثيرها وسائل الإعلام المُتغوّلة في حياة النّاس بشكل رهيب.



ثانيا: الاستهلاك في رمضان.. استثمار في الخوف من الجوع
النّاظر بعمق لواقع الاستهلاك في الشهر الفضيل بمجتمعاتنا يلمس بشكل بدهيّ إحساس الخوف من الجوع في عيون المتسوّقين والمستهلكين، من جميع الطّبقات والفئات، ذلك أن الناس تقبل على المنتوجات مصحوبة بقلق وخوف كبيرين، على المجهول، ممّا يحمل دلالات الخوف من فُقدان هذه المنتوجات في الأسواق، وإمكانية نفاذها وانقطاعها، وبالتّالي فقدانها، وفوات فرصة الاستفراد بها.
وقد انتبه المسؤولون الاقتصاديون والسياسيون إلى هذا المعطى، فصاروا يُكثرون من تصريحات الاطمئنان بوفرة هذه المنتوجات أو تلك، مع وصول شهر رمضان المُبارك.
كما استثمر في ذلك أصحاب المنتجات وعارضيها ومالكيها، عبر برامج موجّهة، تحمل قيم عولمية سلبية في جميع نواحي الحياة تقوم على فكرة الإقناع، وتمتح من تسويق الخوف والعيش عليه !!



الاستهلاك في رمضان.. صورة أخرى من صور إسلام السوق
برز (إسلام السوق)، كمصطلح مع دراسة ل(باتريك هايني)، تكشف الوجه المعلمن لكثير من مظاهر التديّن السائل التي غزت مجتمعاتنا الإسلامية، وجعلت النّاس تهتمّ بالظاهر على حساب الجوهر، وتتخلّى عن روحانية العبادات الدّينيّة نحو المظاهر التي تكتسي طابع العولمة المقنّعة.
ويُمكن أن يُصنّف هذا الزّخم الاستهلاكي الكبير ضمن هذا النّطاق، ويُعتبر بالتّالي شكلا من أشكال العلمنة الاقتصادية التي غزت مجالنا التّداولي الإسلامي وحتّمت علينا الخضوع لأبجديات اقتصاد السّوق، والاستسلام أمام الاستهلاك الكبير للمنتوجات المدعومة من حرية السوق وليبرالية الاقتصاد.
إنّها بلا شكّ مُعضلة تنضاف إلى واقعنا المعيش، وتدفعنا نحو اعتراف قويّ بوجود أزمة في صيامنا الذي بات يرتكز على المظهر أكثر من الجوهر، وعلى المادّة أكثر من الرّوح ويجعلنا نتساءل: وهل فهمنا الصّيام حقّا؟ !

كيف نستقبل شهر الصيام؟



الصيام هو الإمساك عن الشهوات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام التي لا يقوم إلا بها، فرضه الله تعالى على عباده في السنة الثانية من الهجرة، شهرا واحدا في السنة، قائلا في محكم كتابه: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذيم من قبلكم لعلكم تتقون).
فكان لهذه العبادة شأن عظيم بين المسلمين، وقدر كبير بين الناس، وهذا ما يظهر جليا في عباداتهم وعاداتهم وسلوكاتهم كلما حلّ عليهم هذا الشهر الفضيل، بدءا بالمساجد التي تملأ عن آخرها، وانتهاء بالأسواق التي تعرف اكتظاظا واضحا وإقبالا منقطع النظير.
لكن، في ذات الوقت، تبرز للظاهر سلوكيات وتصرفات شاذة، تعكر على بعض الناس صفو أيامهم المباركة، بسبب أو بدونه.
وهنا لا بد من تسطير سبل كفيلة بالتخلص من هذه السلبيات، وتعويد النفس على واقع روحاني جديد، ملؤه المحبة وربط الصلة بالخالق والتسامي عن الرذائل والمنكرات.
ولتحقيق هذه المقاصد الأصيلة، لا بد من اتباع الخطوات الآتية:



أولا: معرفة مكانة الصيام في الدين الإسلامي
إن للصيام مكانة مميزة في الدين الإسلامي، ذلك أنه ركن من أركانه، خصّه الباري تعالى بمجموعة من النصوص، سواء في محكم كتابه، أو على لسان نبيه محمد صلى الله  عليه وسلم، ونذكر من ذلك ما يلي:
- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183))-البقرة: 183-
-وقال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185))-البقرة: 185-
-وعَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) –رواه البيهقي-
- عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (ما من حسنة يعملها بن آدم إلا كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي الصيام جنة وللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) –النسائي-



ثانيا: معرفة أحكام ومقاصد الصّيام
إن أي صيام لشهر رمضان الفضيل، دون معرفة أحكامه، يجعل المرء -لا محالة- معرضا للتيه، والاكتفاء بالقشور التي علقت بالتقاليد والأعراف الاجتماعية ولو من غير دليل، دون أن ينفذ إلى المضامين الدّقيقة والمعاني الجليلة لشعيرة ربانية تكتنز أحكاما دقيقة ومقاصد نبيلة.
ولفهم ذلك، وجب مطالعة الأحكام الفقهية المتعلقة بشهر الصيام، والرجوع إلى كتب الفقه التي تناولته في مضانها، لمطالعة ما يتوجب على المرء معرفته، حتى يتعامل مع الشهر الفضيل بالطريقة المثلى، سواء تعلق الأمر بأنواع حكمه‘ أو فرائضه أو سننه أو مبطلاته...
كما يلزم على الذي ينتظر حلول الشهر الفضيل النظر في المقاصد السامية التي يهدف الصيام تحقيقها، سواء ارتبط الأمر بالمقاصد العامة لهذه الشعيرة، كما هو الحال بالنسبة للضروريات الخمس المتعلقة بها، وسواء ارتبط الأمر بالمقاصد الخاصّة بشعيرة الصيام.
وهذه المسألة الأخيرة، تجعل المرء يتجاوز النظرة السطحية لموضوع الصيام بكونه مجرد امتناع عن الأكل والشرب وكافة الشهوات.



ثالثا: الاستعداد النفسي
إن الصائم لا يلزمه أن يستعد من الناحية المادية لشهر رمضان وفقط، يطهو ما لذ وطاب من المأكولات ويجمع ويخزن المعطعومات كأنه بهذا يستعد لتجاوز أيام عصيبة، لكن الصّائم تلزمه عدة روحية تلامس جانبه النفسي، وتشحنه بمقومات التقوى، وتعينه على العبادة، وتجاوز شهوات النفس، فيزداد بذلك تجملا، قادرا على مجابهة كلّ مثبطات العزيمة لصيام شهر رمضان الأبرك.



رابعا: وضع برنامج غني ومتكامل قابل للتطبيق
إن شهر رمضان مدرسة قائمة الأركان، تتأسس على عادات دقيقة وعبادات روحانية أصيلة، لذا على الصّائم، أن يستعدّ لهذا الشهر الفضيل، ببرنامج غني يخرج منه بفوائد جمّة.
من هذا البرنامج، يلزم إدراج أهمّ العبادات وأجلّها، بدءا بتعويد النفس على إقام الصلاة في وقتها المحدد ببيوت الله العامرة، ثم أداء النوافل (كصلاة القيام)، والاشتغال بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم، وتربية النفس على التحمّل والصّبر...
كما يجب تعويد النفس على الاشتغال بالعبادات والمتنوعة خشية الملل، والكفّ والإمساك عن كلّ ما من شأنه إذاية الخلق، والانتقاص من فريضة الصوم.
كما يلزم على الصائم وضع برنامج عمليّ لاكتساب معارف وخبرات جديدة، وذلك بتخصيص حيّز يومي لربط الصلة بالكتاب، وحضور ندوات أو محاضرات ثقافية وفكرية، للإفادة والاستفادة.
كما يظلّ شهر رمضان الأبرك فرصة لا ينبغي أن تفوت الصّائم، دون أن يتخلص من سوء العادات التي ألفها، بتعويد النفس على الترك والابتعاد.
إلى هنا يكون الصّائم قد استعدّ بشكل كبير لشهر رمضان الفضيل، شهر القرآن والقيام..، شهر بمثابة مدرسة متكاملة الأركان لمن أراد أن يتعلم أصول الدين والأخلاق.