دورات التنمية الذاتية المدفوعة: علم أم تجارة وهم؟





تتزاحم الإعلانات بشكل لافت على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، تحت مسميات مختلفة، إن لم نقل غريبة نوعا ما عن المجالات المتداولة في الشأن العلمي والمعرفي المعهود، تقع جميعها تحت مسمى (دورات التنمية الذاتية/البشرية)، بأسلوب جذاب، ومصطلحات براقة، لكنها تحمل في طياتها –ولابد- دعوة صريحة لدفع مقدار من المال مقابل المشاركة في هذه الدورة.
فما الذي جعل هذا الأمر يطفو فجأة في مجتمعاتنا على سطح (تسويق المعرفة) -إن صح التعبير- مع نهاية العشرية الأولى في القرن الواحد والعشرين بشكل يدعو للاستغراب؟ وعل دورات التنمية الذاتية تمتح من أصول معرفية وثوابت علمية أكاديمية؟



سؤال العلمية:
كثيرة هي الصور النمطية الظاهرية التي تطغى على مؤطري ما بات يعرف بدورات التنمية البشرية، إذ يلبس غالبيتهم ربطات عنق، وهندام أنيق، تعلو محياهم ابتسامات عريضة، على ملصق محبوك بعناية فائقة، وفق منطلق إشهاري تجاري محض.
تحت هذه الصور البراقة والجذابة تتواجد في العادة سلسلة طويلة من (الشهادات) غريبة التسمية، وغير المنطقية بالنسبة لوضعية صاحبها ، وربما مستواه المعرفي والفكري، ويلتصق بها أسماء مؤسسات تجارية أو وهمية لم يكن لها ذكر قبل أن تُدرج في الملصقات الإعلانية لهذه الدورات.
وحتى المادّة التي يقدمها المؤطر الذي  يصطلح عليه في العادة (المدرب/الكوتش)، انصبّ غالبيتها على معرفة سطحية دون سند علمي أكاديمي دقيق.



معرفة الFast Food:
يتطلع الجمهور في مجتمعاتنا عادة إلى المواضيع التي تعالج خصائصهم العاطفية والسيكولوجية ليستهلكوها بنهم وإن كانت تافهة، وفي المقابل، يسعى (عارضو دورات التنمية الذاتية)، إلى استغلال هذه الحاجة في مجتمعات لا تقرأ ابتداء، فيحققون بذلك مرادهم، عبر توظيف آليات وأساليب ومصطلحات مستجدة من قبيل (العلم الإيحائي) و(الطاقة الإيجابية) وغيرهما كثير.



نقطة نظام:
مهما طغت هذه المظاهر والسلوكيات التي تطفلت بشكل كبير على مبادئ العلوم، علينا أن لا نقع في فخ الخلط بين عارضي الوهم تحت مسمى التنمية الذاتية، وبين أولئك الذين يعرضون تجاربهم الشخصية الناجحة في المجالات التي نبغوا فيها بأسلوب علمي رصين، ليستفيد منها المستمعون في محاضراتهم كبرنامج ال(TED) مثلا، والذين يطالعون كتبهم التي تحترم شروط العلمية والتوثيق، فهؤلاء لهم باع طويل في مجالاتهم، لا أحد ينكر عليهم ذلك، بل يستحقون الإشادة، لتنمية وضعيتهم الاعتبارية في مواجهة رداءة من يبيعون الوهم تحت يافطة التنمية الذاتية. 

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "دورات التنمية الذاتية المدفوعة: علم أم تجارة وهم؟"


الابتسامات الابتسامات