التخلف الاجتماعي بنظرة سيكولوجية، الدكتور مصطفى حجازي أنموذجا



 تمثل دراسة التخلف واحدة من الدراسات التي انصب عليها الاهتمام في زمننا الحاضر، ذلك أن فشل مختلف التجارب التنموية المستوردة من الدول المتقدمة أفضى إلى تكرار السؤال حول ماهية أسباب الفشل لنماذج يفترض فيها أن تقدم ذات النتائج المحمودة التي أنتجتها على مستوى البلدان المتقدمة.
وهنا يبرز البحث القيم الذي أعده المفكر وعالم النفس اللبناني الدكتور "مصطفى حجازي" بعنوان: التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ليؤسس ل"التخلف" على أنه نمط وجود معين ومميز يقتضي أخذه بعين الاعتبار في أي تحول اجتماعي وتنموي، وفق أسس منضبطة وآليات محددة.
من هو مصطفى حجازي؟
مصطفى حجازي، مفكر لبناني متخصص في علم النفس، ولد سنة 1936 بمدينة صيدا اللبنانية، وحصل على دكتوراه في علم النفس بجامعة ليون-فرنسا، وبعدها اشتغل بالجامعة اللبنانية ثم البحرينية، ونبغ في مجاله بكثير من الأبحاث الدقيقة التي تربط علم النفس بالتنمية، فحصل على تنويه كبير من العالمين العربي والإسلامي.
ويظل بحثه العميق (التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور)، واحدا من أهم مؤلفاته منذ خروجه للوجود سنة 2001، إلى جانب دراسة مشابهة وسمها ب(الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية) سنة 2006.

كتاب: التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (2001)
يعد الكتاب موضوع هذا المقال بمثابة دراسة في مجال علم النفس، تحاول تسليط الضوء على نفسية المتخلف، وتحاول رصد الوضعية المتأزمة التي يوجد عليها، والأواليات الدفاعية السلوكية التي ينهجها للحفاظ على بعض التوازن النفسي، ومجاوزة واقعه المتأزم.
هذه الوضعية، هي تحديدا ما اسماها المؤلف –وضعية القهر- التي تفرض عليه، كقهر يضاف إلى واقع أصيل يعيش على وقعه منذ خروجه لهذا العالم.
ولهذا، فأيما تجاهل بهذه الحقائق، إنما سيستمر معه القائمون على التغيير الاجتماعي، وواضعي البرامج التنموية في إهدار الزمان والمقومات المادية والمالية، دون أن يحصلوا على النتائج المرجوة.

القسم الأول: الملامح النفسية للوجود المتخلف
أولا: تحديد وتعريف التخلف
للتخلف محددات كثيرة ومتعددة، ولذا تشعبت الدراسات في تناوله، فمنها ما انصب على دراسته دراسة سطحية، ومنها من تناوله من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لكن، يظل المنظور النفسي مهما، واستحضاره يبقى ضرورة في أي دراسة أكاديمية متكاملة، على اعتبار أنه على المستوى الإنساني نمط وجود مميز له ديناميته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية.
ثانيا: الخصائص النفسية للتخلف
وتتمثل هذه الخصائص في علاقة القهر التي تسود المجتمع المتخلف، بشكل كبير جدا، بما في ذلك وضعية الرضوخ، ثم وضعية الاضطهاد، إلى ان يصل الأمر إلى درجة التمرد والمجابهة.
ثالثا: العقلية المتخلفة
وركز في هذا المحور على الخصائص الذهنية للتخلف، وأهم عوامل تخلف العقلية، التي ربطها بسياسة التعليم وعلاقات القهر والتسلط في أحايين كثيرة.
رابعا: الحياة اللاواعية
اعتبر حجازي الحياة اللاواعية ذلك الوجه الخفي للتربية الوجودية للإنسان، وأن هذا اللاوعي يتغلغل مع كل حركة وسكنة وتوجه ونظرة وقيمة تحيط بحياتنا أو تعطى لها، فأمكن بذلك تفسير الكثير من السلوكيات الناتجة عن اللاوعي للإنسان المتخلف وفق هذا المضمار.
القسم الثاني: الأساليب الدفاعية
يتخذ الإنسان المقهور أساليب متعددة للإبقاء على توازنه النفسي بما يضمن استمراره ووجوده، ومنها:
أولا: الانكفاء على الذات
يعمد الإنسان المقهور إلى التمسك بالتقليد والرجوع إلى الماضي التليد هروبا من واقعه المتأزم، كما يحاول الذوبان في الجماعة لاستمداد قوته والمحافظة على وجوده، مما يولد لديه وضعية اتكالية غريبة.
ثانيا: التماهي مع المتسلط
إن الإنسان المقهور لا يكتفي فقط بالانكفاء على الذات، وركونه إلى الماضي استنجادا به، بل يحاول في أحايين كثيرة التماهي مع أحكام المتسلط وعدوانه وقيمه وأسلوبه الحياتي، وهو حال انصرافه في هذا الاتجاه إنما يحاول اكتساب وسيلة للدفاع عن وضعه المتأزم.
ثالثا: السيطرة الخرافية على المصير
يعمد الإنسان المقهور دفاعا عن نفسه ووضعه الوجودي المتأزم نحو السعي إلى السيطرة على الحاضر باللجوء إلى تضخيم وضعية الأولياء ومقاماتهم وإلصاقهم ما يصح وما لا يصح، وكذا لتفسير الظواهر الطبيعية العادية، من منظور الجن والعفاريت والشياطين والحسد والسحر.
كما يرنو نحو إخضاع المستقبل عبر التطير وتأويل الأحلام وقراءة الطالع والعرافة وغيرها.
ولهذا نجد أن التجارة الرائجة في المجتمعات المتخلفة، هي التي يمارسها المشتغلون في هذا المجال، والذين يدعون قدرتهم الخارقة في اقتحام هذا العالم وإخضاعه: (السحرة-المشعوذون-...).
رابعا: العنف
يلجأ الإنسان إلى العنف بجميع صوره كأوالية دفاعية عن وجوده المأزقي والمتأزم، ويتخذ هذا العنف أشكالا وأنواعا مختلفة، منها ما هو مقنع، ومنها ما هو رمزي، وكما يسود في المجتمع المتخلف توتر وجودي وعلاقات اضطهادية في جميع مجالات الحياة.
خامسا: وضعية المرأة في المجتمع المتخلف/المقهور
خصص الدكتور مصطفى حجازي فصلا قائم الذات للحديث عن وضعية المرأة في مجتمع القهر، موضحا وضعيتها في (المجتمع الكادح وما دونه)، ووضعية المرأة في الطبقة المتوسطة، وكذا وضعية المرأة المقهورة في الأوساط ذات الامتياز.
كما وضح أنواع الاستلاب الذي تتعرض له المرأة، الذي يتنوع ما بين استلاب اقتصادي، وجنسي وعقائدي، فتضطر بذلك إلى الدفاع عن نفسها عبر التضخم النرجسي، والسعي الحثيث للسيطرة على الرجل وإخضاعه.

   هي إذن، دراسة تفسيرية مهمة تحاول مقاربة وضع الإنسان المقهور من الناحية النفسية المتأزمة، وتسعى نحو استمداد مختلف الأواليات والأساليب الدفاعية التي يدفعها للإبقاء على بعض التوازن النفسي الذي يدفعه للاستمرار في وجوده.

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "التخلف الاجتماعي بنظرة سيكولوجية، الدكتور مصطفى حجازي أنموذجا"


الابتسامات الابتسامات