مجزرة نيوزيلندا وصدام الحضارات.. بأي ذنب قتلت؟!


كلما حدثت مجزرة في هذا العالم الفسيح إلا وتصاعدت أصوات الإدانة والاستنكار، وتجددت الدعوات للجنوح إلى التعايش بدل التنافر، والسلم بدل الحرب، وهذا أمر مفروغ منه في ظل تحكيم العقل حول مجازر الإنسان بحق أخيه الإنسان..

كما يبادر أفراد النخبة الثقافية والفكرية من جميع الأطياف والألوان إلى رسم تحليلات وتفسيرات لما يقع في الوسط البشري، وما لبثوا أن ينسوا حادثا معينا حتى يظهر آخر أشد وقعا في النفس من الأول..
فما الذي يدفع إنسانا ما إلى ارتكاب المجازر والفظاعات في حق إنسان آخر بدون سبب شخصي واضح المعالم؟

أولا: الطبيعة البشرية
إن القتل متأصل في الجنس البشري منذ القدم، وأقصد، منذ أول جريمة شنعاء سفكت فيه دماء "هابيل" من طرف أخيه "قابيل" ولدي "الأب الأول "آدم" عليه السلام: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27))-سورة المائدة، الآية 27-.

بالتالي، إن هذا الفعل ظهر في البشرية منذ أمد بعيد، ومهما حاولنا التبرير والتفسير، لا يمكننا الهروب من هذه الحقيقة. وكلما أردنا أن نبرز الجانب الملائكي في البشر، برز جانب آخر يلتصق بالطبيعة الغريزية في الإنسان، وهي حقيقة أيضا يجب الإقرار بها دون أدنى مركب نقص.
إن الكائن الوحيد في هذا الوجود، الذي يقتل أخاه بوحشية، بسبب تافه أو بلا سبب هو الإنسان..
وهذا ما انتبه إليه "جورج كارلين" -الكوميدي الأمريكي، ت:2008-، حين أنجز حلقة رائعة بعنوان: "البشر سيفعلون أي شيء!!"..
في هذه الحلقة، حاول "كارلين" أن يفسر الأفعال التي يأتيها الإنسان والتي تتلقى التعجب والإدانة من بني جنسه، مؤكدا أن الأمر مرتبط بالطبيعة البشرية، وهو أمر لا ينبغي أن يكون موضوع مساءلة سطحية مع كل حدث، ومع كل مأساة.
إن الكائنات الأخرى -الحيوانية- لم يسجل عليها أنها فتكت بكائن من بني جنسها بلا سبب مقنع..، إن غالبية تدخلاتها بشكل عام تكون على حسب نداء معدتها، أو صراع النفوذ والسيطرة، ويكون ذلك محدودا بشكل كبير..

ثانيا: (صدام الحضارات)
وإن كان هذا العنوان الفرعي يبدو تتمة للمحور الأول الذي تعرضنا له في هذا المقال، فإن الأمر يستدعي تخصيص محور قائم الذات، لما يمثله هذا الأمر من أهمية في جل التحليلات التي يتم بسطها في الوقت الراهن..
إن المحور عبارة عن عنوان دراسة بعنوان:"صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، لصاحبها:"صموئيل هتنجتون"، والتي دعمت فكرة أن الصراعات التي ستنشأ بعد الحرب الباردة سيكون منشؤها "ثقافيا"، وأن مختلف التكتلات ستنبع من هذا الأساس بعيدا عن منطق الإيديولوجيات المتقادمة، والأقطار القومية..، وسمى ذلك "صداما حضاريا"..
وهي فكرة مناقضة تماما لما بشر به "فرنسيس فوكوياما" في أطروحته المعمقة بكتاب: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، التي تنبأت بسيطرة الفكر الليبيرالي الأحادي على مختلف الأنظمة في العالم الحديث..

هكذا أسس هتنجتون لمنطق الصراع بين حضارات متعددة ومختلفة من الناحية الحضارية-الثقافية (الحضارة الإسلامية-الحضارة الأرثودكسية-الحضارة البوذية-...)، في أي صدام بشري مقبل، بعيدا عما كان عليه الوضهع في "ما قبل الحرب الباردة"..

قد تكون مختلف الأفكار الواردة في الكتاب أرضية  للكثير من الأفعال الإرهابية والإجرامية التي نجد لها تفسيرات أصولية اليوم، من قبيل ما وقع في "البوسنة" من مجازر، وما يصطلح عليه "الصراع العربي الإسرائيلي"، و"حرب الخليج"، وغيرها من الأحداث التي وسمت التاريخ البشري الحديث تحت يافطات مختلف العناوين والأسماء.



من هنا يبدو أن الأحداث التي يتبناها البشر، تتبرأ منها كافة الأديان والمعتقدات، لكن الأخيرة تبقى ذريعة لإلغاء الآخر، تلبية لنداء الطبيعة البشرية في جانبها الغريزي المتوحش..

شاركه على

الفيسبوكتويتر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الكاتب

أحمد إضصالح: مدون وكاتب مغربي، له العديد من المقالات ذات بعد، فكري وثقافي بمواقع إلكترونية وجرائد ومجلات ورقية..

0 التعليقات لموضوع "مجزرة نيوزيلندا وصدام الحضارات.. بأي ذنب قتلت؟!"


الابتسامات الابتسامات